منتدى الاشراق

المدير العام Ahmed Nasser

منتدى الاشراق


 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

.:أهم الاخبار في العالم:.



التبادل الاعلاني


المواضيع الأخيرة
» كلية العلوم الاسلامية بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 3:23 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» كلية العلوم المالية والإدارية بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 3:19 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» عمادة الدراسات العليا بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 3:12 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» المكتبة الرقمية بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 3:11 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 3:10 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» مركز اللغات بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 12:33 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» وكالة البحوث والتطوير بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 12:32 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» مجلة جامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 12:25 pm من طرف ناصر عبد الغفور

» تعريف بجامعة المدينة العالمية:
الأربعاء يونيو 03, 2015 12:24 pm من طرف ناصر عبد الغفور

عدد زوار الموقع

.: عدد زوار المنتدى :.

ترتيب الموقع
    مرحبا في منتدى الاشراق       يسرنا اتقدمو اقتراحاتكم      

شاطر | 
 

 الشخصية الانسانية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ahmed
المدير
المدير
avatar

الثور عدد المساهمات : 152
نقاط : 518
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 21/03/2009
العمر : 23

مُساهمةموضوع: الشخصية الانسانية   الجمعة يناير 14, 2011 4:28 pm

كيف تتكون الشخصية

الشخصية هي [أنا] وهل هي تتكون؟ كما قال بذلك جمع من علماء الاجتماع، أم هي شيء يولد مع الإنسان وإنما ينمو، كما قال به آخرون؟ وهل هو شيء واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، كما قال بكل ذلك جمع؟ احتمالات.

وفي الحديث: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)(1) قال جماعة فيه، أنه كناية عن أن الإنسان يستحيل أن يعرف نفسه، كما يستحيل أن يعرف ربه، وقال آخرون أن المراد به أن الإنسان إذا التفت إلى نفسه وأنها مخلوقة جاهلة عاجزة و… عرف أن لها خالقاً عالماً قادراً… والقائلون بأن [أنا] لا يولد، بل يتكون قالوا: بأن [أنا] عبارة عن جملة من أعمال الفعل وردود الفعل التي يكتسبها الإنسان في مسيره الطويل من الأسابيع الأولى من الولادة، إلى آخر عمره، حيث أن [أنا]: أي [الشخصية] لا يولد، وإنما بالتدريج يعرف الطفل أنه غير إنسان آخر، ثم تتبلور هذه الشخصية بملاحظة:

1 ـ عمل الناس تجاه الإنسان.

2 ـ وعمل الإنسان تجاه نفسه أو تجاه الآخرين، وتصورات الإنسان عن نفسه وعن الآخرين أول ما يشعر، مبهمة غاية الإبهام، ثم تأخذ في الوضوح، والوضوح الأكثر، حتى تصل إلى درجة الكمال، حيث ليس فوقه كمال لكن الكنه يبقى مجهولاً على كل حال.

ولذا قال أحد العلماء: إن معرفة كنه الأشياء من أشكل المشكلات، وقال آخر: إنه مستحيل، ثم أردف، إنا قد علمنا بعد دركنا لكل فنون العلوم: أنه لم نعلم شيئاً.

لكن هذا القول لم يتم عليه دليل، إذ الظهور تابع للواقع ـ كما قالوا بذلك في الحركة الجوهرية، وإن ظهور الحركة دليل على واقع الحركة في الجوهر ـ… أما من قال بأن في الإنسان [أنا] و [أنا]، استدل بما يجده الشخص، من نازع ينزع فيه إلى الخير وينهى عن الشر، ونازع بالعكس ـ إذ الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد ـ ومن قال بـ[ـأنا] ثالث، استدل بما يشاهد منحكم ثالث بين النفرين [أنا، وأنا] لكن دليل كلا الرأيين ليس مقنعاً، وفي القرآن الحكيم: (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها)(2).

وفي الحديث: (إن في قلب الإنسان لمتين لمة من الملك وأخرى من الشيطان)(3).

وفي حديث آخر، تفصيل وجود جنود العقل وجنود الجهل(4)، وكيف كان فالمهم التكلم عن [الشخصية] مما يجدها كل إنسان وهو مهم علم الاجتماع.

تكون شخصية الطفل

إن الطفل يلاحظ الأشياء حوله، بحواسه الخمسة، سواء ما تفعل الطبيعة أو الحيوان أو الإنسان، سواء بالنسبة إلى الطفل، أو إلى بعضهم البعض، كما يلاحظ ردود الفعل لأعماله بالنسبة إلى الطبيعة أو الحيوان والإنسان:

1 ـ فمثلاً: يرى الشمس والماء والشجر والمروحة والمصباح، وينصدم بالهواء والحرارة، ويسمع الأصوات الطبيعية والحيوانية والإنسانية.

2 ـ ويرى معاملة بعض أفراد الحيوان للبعض الآخر، كالحيوانات الداجنة وبعض أفراد الإنسان لبعض في التكلم والتعارف والمصارعة ونحوها.

3 ـ كما يرى أنه إذا فعل فعلاً صار رد الفعل كذا، مثلاً: إذا ذهب إلى النار احترق، أو إلى السلم سقط، أو إذا بكى حملوه، أو أطعموه، وهكذا، ثم إنه يأخذ كل شيء ليراه جيداً، ويدخله في فمه ليعرف مذاقه وهكذا.

فإذا عرف الأشياء، يدخل تدريجاً في عالم الأفكار، أي يعرف ماوراء الأشياء، مثلاً أولا: يرى الكبريت، ثم بعد ذلك يشعر بأنه إذا قدح شبت منه النار، ويرى الدينار ثم يعرف أنه ذو قيمة، وهكذا… وبكل ذلك تنمو شخصيته ولذا كانت الشخصية رهينة الأفعال وردود الأفعال المحيطة به فإذا حقّروا الطفل نشأ محقّراً ذا عقدة، وإذا عظموه نشأ كبيراً سمحاً، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله الحسن عليه السلام فقال: هذا سيد ابن سيد(5).

وهكذا بالنسبة إلى الكرم والبخل، والشجاعة والجبن، واللطف والخشونة، والنظافة والوساخة، والأدب وسوء الأدب، وغيرهاـ، فإن الملكات كالبذور تبذر في النفس ويعتنى بها فتنمو من جنس ذلك البذر الذي بذر فيها… وبالجملة فالشبكات الاجتماعية الهائلة تأخذ شيئاً فشيئاً تحيط بالطفل فعلاً ورد فعل، وفي وسط تلك الشبكات تنمو ملكاته.

بين الضمير والمجتمع

وحيث أن فقي الإنسان حالة حكيمة داخلية مما يسمى [برؤية الحسن والقبح] وحيث أن الاجتماع وليد ضغوط ونتائج حاصلة من تلك الضغوط، بالأهم والمهم، والماضي والحال والمستقبل.

فميراث الماضي حيث يأخذ القدسية والعادة، ومصالح الحاضر، والاستعداد للمستقبل… وفي كل هذه الثلاثة [الأهم والمهم] يخلي المهم مكانه للأهم، كما أن الأهم من الماضي يزاحم المهم في الحاضر، والأهم المستقبلي يزاحم المهم في الماضي والحاضر].

أقول: حيث كل ذلك، تتكون عند الشخص [شخصيتان]:

1 ـ شخصية ضميره.

2 ـ شخصية اجتماعية.

فإذا خلى ونفسه أو بأفراد عرفه الخاص، الذين أطرت شخصياتهم شبيهة بالآخر، أظهر ضميره وتكلم وعمل بكل حرية أما إذا كان مع الاجتماع اضطر إلى أن يتنازل إلى شبكة الاجتماع حذراً من أن يفقد مصالحه، وهذا ليس نفاقاً، بل من باب ترجيح الأهم على المهم، وهي قاعدة عقلية.

وهذا هو الفارق بين [النفاق] و[المداراة] فالأول انتهازية ووصولية ونفعية، والثاني أهم ومهم، ومصلحة واحترام الآخرين، وقد ذم الله سبحانه الأول، قال: (ودوا لو تدهن فيدهنون)(6) وغيرها من الآيات، ومدح الثاني قال: (لتعارفوا)(7) وغيرها من الآيات.

وبالسبب السابق ضمير الشخص، واجتماعه بالإضافة إلى الميول والشهوات الداخلية والضغوط الخارجية الأحيانية، يتراوح الشخص في أفكاره وأعماله فربما صار مؤمناً، وربما منافقاً، وربما كافراً، وكذلك ربما صحيح الفكر أو العمل، وربما فاسدهما، ولذا كانت الشخصية كثيراً ما متأرجحة بين عوامل أربع:

1 ـ ضميره المنعقد على حسن الحسن، وقبح القبيح.

2 ـ شهواته وميوله الطاغية.

3 ـ عرفه الخاص كحزبه وجمعيته.

4 ـ عرف الاجتماع العام، حيث تختلف موازينه عن موازين العرف الخاص، غالباً.

ومما تقدم ظهر أن الشخصية ليست محض انعكاس للمحيط الاجتماعي، بل أمر مزيج من الذاتية والانعكاسات الاجتماعية وأمور أخرى، فإن كل هذه الأمور دخيلة في تكوين الشخصية، أما من يراها صرف الانعكاس للمحيط الاجتماعي، ولذا يرى أنه لو تغيّر المحيط الاجتماعي تغيّرت الشخصية، فالدليل على خلافه، فإنه لو كان الأمر كذلك، لماذا كانت الازدواجية بين الضمير والخارج، ولماذا يتغير الاجتماع تدريجاً، إلى غير ذلك.

مراحل تدرج الطفل

ثم إن الطفل في تقدم شخصيته يتدرج في مراحل ابتدائية أربع:

1 ـ مرحلة التقليد للناس، حيث يعمل كما يعملون، كأن يصلي مع أبيه وأمه وغيرهما، أو يأخذ اللقمة كما يأخذون، أو يتنحنح مثلهم إلى غير ذلك.

2 ـ مرحلة جعل نفسه مكانهم، والنظر إلى نفسه كما هم ينظرون إليه، مثلاً يمثل نفسه بالأم، ويلاطف مع نفسه، أو مع آلة لعب صورت في صورة الطفل، وبالأب ويأتي إلى نفسه بالفواكه، أو يهز نفسه كأن الأب أخذ يهزه، وشبه ذلك.

3 ـ مرحلة اللعب الجماعي، حيث تنتهي مرحلة اللعب الفردي، وإنما يلعب في شبكة من الارتباطات، حيث يراقب دوره في اللعب، ويلاحظ فشل ونجاح زملائه، ويكون حكماً في أن أي منهم خالف الدور، أو زور في اللعب أو ما أشبه ذلك.

4 ـ وأخيراً يصل إلى مرتبة يأخذ تدريجاُ في الخروج عن مرحلة الطفولة ويتكون في نفسه هدف في الحياة، ويرفع بنفسه عن الألعاب الطفولية، ويكون الزمان بنظره أبطؤ، فإن الزمان ـ كما قرر في محله ـ يختلف مروره بالنسبة إلى الأشخاص، فمن في لذة يرى تقضي الزمان بالنسبة إليه سريعاً، بينما من في الألم يرى الساعة عشر ساعات مثلاً، والمنتظر للصديق الحميم يرى بطوء الزمان، بينما من ينتظر مكروهاً يرى سرعته، وهكذا، حتى قال بعض العلماء إن الزمان محله في ذهن الإنسان لا في الخارج، وكلما قرب الإنسان إلى الطفولة يرى بطوء الزمان، فالساعة عند الطفل كنصف ساعة عند المراهق، بينما هو ربع ساعة عن الشاب وهكذا.

تصورات الإنسان عن نفسه

وحيث يتكون في نفس الطفل الذي أخذ في الكبر هدف ما، يقارن ذلك أنه يأخذ في تقييم نفسه، وفي هذه المرحلة ـ والتي تبقى إلى آخر العمر ـ يلاحظ أموراً:

1 ـ تصوره عن نفسه، وأنه كيف هو؟ فإن الإنسان يزن نفسه عند نفسه، هل له وزن أم لا؟ وكم وزنه؟ وكيف وزنه؟ وما هي مرتبته في الاجتماع؟ إلى غير ذلك.

2 ـ تصوره أنه كيف يكون عند الناس؟ هل له وزن أم لا؟ وكم وزنه؟ وكيف؟ وهكذا… فيجعل نفسه مكان الآخرين وينظر إلى نفسه من منظارهم وإذا كان يحيط به عرفان عرف عام، وعرف خاص، كما إذا كان في منظمة أو حزب أو جمعية أو ما أشبه، يلاحظ أنه كيف عند هؤلاء؟ وكيف عند هؤلاء؟ وهكذا.

وغالباً يعدل الإنسان طريقته إلى ما يراه يوجب ارتفاعه عند العرفين، وإذا كان تعارض بين العرفين، فغالباً يقدم عرفه الخاص، لأنه أقوى صلة ورابطة به، ولذا يشاهد أنه يتحمل مشاكل هذا العرف ضد العرف العام، وقليل هم الذين يخرقون عرفهم الخاص ليلحقوا بركب العرف العام.

ولأجل التناقض بين العرفين، وإن العرف الخاص لابد وأن يكون في المجتمع علناً أو سراً، تحاول الحكومات الحازمة:

أ ـ إعطاء المجال لأعضاء العرف الخاص بالظهور، والاختلاط بالمجتمع لئلا يقعوا في قوقعة السرية، حيث يتبع السر الانغلاق ثم العنف، وأضرار العنف بالاجتماع وبسمعة الحكومة أكثر من إعطاء المجال لأعضاء العرف الخاص بالظهور.

ب ـ ثم إذا كان العرف الخاص فيه طبيعة الهدم، تحاول الحكومة سحب البساط [بالمغريات] من تحت أرجل ذلك العرف وإن لم يكن فيه طبيعة الهدم تحاول الحكومات ترقيق مشاعر العرف الخاص بإعطائه طلباته ـ حسب الإمكان ـ وحل المشاكل بالتي هي أحسن.

وحيث أن الحكومات الديكتاتورية، لا تتحلى بالحزم، توقع نفسها والمجتمع في مشاكل جمة، وأخيراً يأتي دور المحاربة بينها وبين أعضاء الأعراف الخاصة، فالمظاهرات والإضرابات وأخيراً القلاقل والفوضى، والثورة.

3 ـ وأخيراً يأتي دور المحاكمة، فيتصور الطفل ـ المتقدم ـ في أنه هل أن تصور الآخرين عنه، صحيح أو باطل؟ وينقسم الحال إلى ثلاثة أقسام:

أ ـ أن يرى تصورهم صحيحاً.

ب ـ أن يرى أنهم قد بخسوا حقه وأنه فوق ما يتصورون عنه، وهذا هو الغالب، لأن الإنسان حيث يحب نفسه، لا يرى أخطاءه ونواقصه بينما يراها الناس، فهو عند نفسه رفيع، بينما يكون عند الناس وضيعاً أو لا أقل من أنه دون تصور نفسه، ولذا ورد في الحديث: (أحب إخواني من أهدى إليّ عيوبي)(Cool و (صديقك من صدقك لا من صدّقك)(9) و (يا صالح اتبع من يبكيك وهو لك ناصح ولا تتبع من يضحكك وهو لك غاش)(10) و (المؤمن مرآة لأخيه المؤمن)(11).

ج ـ أن يرى أنهم قد وضعوه فوق مستواه، وهذا نادر، وكثيراً ما يكون ذلك وليد الديكتاتورية، أو المال، أو التزوير، حيث يعلم الإنسان بحال نفسه إلا أن قوته أو ماله أو ريائه، يجعل الناس يتصورونه ـ ولا أقل من إظهارهم ذلك ـ فوق ما يرى هو لنفسه.

ولذا نرى أن العظماء ـ حقيقة ـ يأبون من مدح أنفسهم ومن مدح الناس لهم وقد مدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بعض في وجهه، فقال عليه السلام: (اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيراً مما يظنون واغفر لنا ما لا يعلمون)(12)… وقد لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار، فترجلوا له واشتدوا بين يديه، فقال عليه السلام ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا، فقال: (والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وإنكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، واربح الدعة معها الأمان من النار)(13).

وقال عليه السلام: (كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء، ولست بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطاً له سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراج نفسي إلى الله سبحانه وإليكم من التقية، في حقوق لم أفرغ من أدائـــها، وفرائض لابـــد من إمــضائها، فـــلا تكلــمونــي بــما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظا مني بما يــتحفظ به عنــد أهــل الـــبادرة ولا تخالطوني بالمصانعة)(14).

الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية

ثم إن الشخصية تطلق:

1 ـ إما على الفرد، ويراد بها ما للفرد من الخصوصيات والصفات الظاهرة أو الباطنة.

2 ـ وإما على الاجتماع، ويراد بها ما يغلب على الاجتماع من الصفات الظاهرة والباطنة، في قبال الاجتماع الآخر، مثلاً، يقال: إن الاجتماع الفلاني له الشخصية الرفيعة، لكونه كريماً نظيفاً محباً للخير، بخلاف الاجتماع الفلاني الآخر فله شخصية منحطة، لعدم تحليه بالصفات الجميلة، وفي التاريخ أن سبارطة كانت لها الشخصية الحربية، بينما أثينا كانت لها الشخصية العلمية.

الشخصية: مادية ومعنوية

والشخصية فردية كانت أو اجتماعية:

أ ـ مادية.

ب ـ معنوية.

والثاني تنقسم إلى:

1 ـ اعتبارية.

2 ـ وانتزاعية.

3 ـ وحقيقية.

أ ـ الشخصية المادية:

هي المرتبطة بالأوليات المدركة بالحواس، مثل ما يحفظ الإنسان في خاطره، وما يظهره من الفعل ورد الفعل عند المسموعات والمنظورات والمشمومات، والمذوقات والملموسات [مع العلم أن قوة اللامسة تشمل:

1 ـ الخشن واللين.

2 ـ والرطوبة واليبوسة.

3 ـ والحرارة والبرودة.

4 ـ والأحجام.

5 ـ والعلو والهبوط.

6 ـ والمرغوب وغيره مثل الملامسة الزوجية].

فالشخص يكون قبال هذه الأمور في شبكة من الارتباطات، وكذلك الاجتماع، وكل ذلك يكون للفرد أو الاجتماع الشخصية المادية.

تغير الشخصية المادية

والشخصية المادية تتغير حسب تغير الإمكانات أو المعارف، فمثلاً: من يرى النظافة أو الكرم أو تعليم الأولاد، أو تزويج أولاده مبكراً إذا فقد الماء أو المال، تحو إلى شخصية غير نظيفة، ولا مضيافة، ولا يعلم أولاده، ولا يزوجهم مبكراً.

كل ذلك لعدم توفر الأسباب، وإن توفرت المعرفة لديه، وهذه الحالة تعطي للشخص شخصية خاصة، بينما إذا توفر الماء والمال تبدلت شخصيته إلى خلاف تلك الشخصية، وهكذا حال المجتمع الفاقد والواجد… ومثل ذلك الحال إذا تغيرت المعنويات، مثلاً كان له المال، لكن لم يكن له رأي في تزويج أولاده، أو حفظ نسائه، أو إكرام ضيوفه فإنه له حينئذ شخصية خاصة، ولم تكن تلك الشخصية مستندة إلى المادة، وإنما تستند إلى معرفة خاصة، فإذا تبدلت تلك المعرفة إلى معرفة مضادة تبدلت الشخصية.

ولذا نرى أن الجاهليين عرباً وفرساً وروماً، كانت لهم شخصيات خاصة، مثل السجدة للملوك، وإطاعة العلماء في الباطل، وحظر التعليم، وزواج المحارم، وفي الجزيرة قتل البنين والبنات خوف العار والإملاق، والمقاتلة وشاع في الكل المعاقرة وقطع الرحم، والانحراف الجنسي نساءً ورجلاً، وإلى غير ذلك.

فلما تغيرت معارفهم تحت لواء الإسلام، صارت لهم شخصية مخالفة لتلك الشخصية السابقة، وكذلك لما وفر عليهم الماء ووجب التطهر، صاروا نظافاً، بعد أن كانوا من أوسخ الناس، وبقي الغرب في الوساخة، حتى أن بعضهم لما بلّطوا الشوارع وفتحوا الحمامات ـ في فرنسا ـ قال علماؤهم: إنهم تشبهوا بالكفار ـ أي المسلمين ـ وأغلقوا الحمامات وارجعوا الشوارع كما كانت وكان مما اشتكى المسلمون ـ في حروب الصليبيين لهم ـ كثرة تعفن أبدان جيوش الصليب، فلما دخلت الحضارة المادية إلى تلك البلاد، تغيّرت شخصيتهم.

وكذلك نرى الحال في التفرقة اللونية والعنصرية، وما أشبه، فما دامت التفرقة لا تكون مزاوجة، ولا معاشرة، بل طائفة المنبوذين في الهند، إذا أراد رئيس المعمل أو الإقطاعي إعطاءهم أجرتهم وقف بحيث لا يقع ظل المنبوذ عليه وإلا لتنجس، وأعطى المال بواسطة، حتى لا تلمس يده يد المنبوذ، وفي أمريكا البيض لا يعاشرون السود، وكذلك القوميون لا يتزاوجون مع آخرين، بل ولا يرثونهم ـ كما رأينا ذلك في بعض البلاد العربية المعاصرة أبان المد القومي ـ.

وكان شيء كثير من ذلك أبان الجاهلية، فلما جاء الإسلام صار بلال الحبشي، وأبو ذر العربي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، في صف واحد في كل الشؤون، من غير فرق بين اللون، واللغة والقومية، والقطرية، في العبادة والمعاملة والزواج والعقوبات والعلم، وغير ذلك، بل قد صار ميزان المفاضلة [الإيمان والعمل الصالح] فقط. ولم يكن ذلك الميزان سبباً للفصل في زواج أو عقوبة أو معاملة بل مجرد الاحترام والأجر في الآخرة ونحوهما.

أقسام الشخصية المعنوية

ب ـ الشخصية المعنوية:

1 ـ هي التي تحيط الشخص بالاعتباريات، فيكون الفرد أو الجماعة في شبكة من أمور غير عينية، وأما هي تكون باعتبار المعتبر، فإذا اعتبرها المعتبر كانت، وإذا أزالها أزالت، مثل أن [النقد الورقي] يقابل كذا من السعر أو المادة، بالاعتبار، فإذا اعتبره المعتبر (بأية درجة كالدينار ونصفه وربعه والدرهم) صار له اعتبار، وإذا أزال اعتباره زال اعتباره.

والأمور الاعتبارية جارية في المعاملات والحقوق، والحدود، والأحوال الشخصية وغيرها، ولذا يتطور كل ذلك حسب تطور الاعتبار.

2 ـ والتي تحيط الشخص بالانتزاعيات، والفرق بينها وبين الاعتباريات أن الانتزاعيات ليست بيد المعتبر، وإنما هي حقائق لها واقع منتزع من أمر حقيقي، مثل زوجية الأربعة، والمناقضة بين الوجود والعدم، والمضادة بين الأسود والأبيض، والتضايف بأقسامه: (أ ـ المعاند، ب ـ وغير المعاند، ج ـ المتشابه، د ـ وغير المتشابه: كالفوق والتحت والعالم والمعلوم، والأخ والأخت والأب والابن).

فإن هذه الأمور [الاعتبارية] أيضاً تحيط حول الشخص فرداً واجتماعاً، وتعطيه شخصية، مثلا: القطر ذو خمسية مليون فرد له شخصية [زوجية] بينما القطر ذو تسعة ملايين له شخصية فردية، والقوم الذين يسكنون الجبال لهم شخصية فوقية [حسيّة] على القوم الذين يسكنون السفوح، إلى غير ذلك من الأمثلة.

ولا يخفى أن كلا من [الاعتبار] و[الانتزاع] له آثار، فليس مجرد [ألفاظ] فاعتبار جواز الازدواج بأربع، يجعل كل النساء ذات زوج، بينما اعتبار عدم الجواز إلا بواحدة، يجعل كثيراً من النساء عوانس وأرامل… والذين هم يسكنون الجبال أمنع عند المحاربة من الذين يسكنون السفوح وهكذا.

ومما تقدم ظهر، أن [الاعتبار] لابد له من [التواضع] وذلك يكون حسب المصالح ـ في نظر الواضعين ـ أما [الانتزاع] فإنه حقيقة خفيفة، ليس أمره بيد أحد، والفرق بين الانتزاع والحقائق الأصلية، أن الانتزاع يستند إلى الحقائق وليس العكس، حالهما ـ ولا مناقشة في المثال ـ حال الجوهر والعرض فالشكل مستند إلى الذات، وليس العكس، ولا ينافي ذلك أن الذات لا تخلوا عن شكل ما قطعاً.

3 ـ والتي تحيط الشخص بالحقائق، مثل واقع المبدء والمعاد، والرسالة والإمامة، وغيرها فإنها حقائق ـ ليست اعتبارية ولا انتزاعية ـ وإنما هي تحيط بالشخص والاجتماع، فيعطيهما [شخصية خاصة] من الاعتقاد، والامتثال وتلون [الأفكار والأقوال والأعمال والسيرة] بها.

وإنا لا نريد بذلك أن كل شخصية لفرد أو أمة ـ في إطار الحقائق ـ تطابق الواقع، بل نريد بيان: أن [الحقائق] أيضاً تعطي شبكة [الشخصية] سواء وصل الاجتماع إليها فرتب الآثار على الحقائق، أو لم يصل، بل اتخذ بدل [الواقع] [زيفاً] فرتب آثار الزيف مكان ما يلزم عليه من ترتيب آثار الحقائق.

وليست الشخصية في الواقع والزيف متشابهة، إلا من حيث الاسم، وإلا فالحقائق تعطي آثاراً، لا يعطيها الزيف، مثلها مثل الماديات، فكما أن السراب لا يروي، والحائط لا يمكن النفوذ فيه، وإن ظن المخدوع أنه ماء وباب، كذلك تختلف آثار الحقائق المعنوية عن آثار الزيف ـ الذي ظنه الظان حقيقة ـ.

بل هكذا الحال في الانتزاعيات، والاعتباريات، فزيفها لا يؤثر أثر الواقع منها، وإن ظان الظان أنه واقع، فمن ظن أن السيارة زوجية العجلات، بينما كانت فردية العجلات لم يحصل السير لأن الزوج يمكنها المشي لا الفرد، ومن ظن أن هذا الورق دينار، لم ينفعه، في إعطاء كمية من المواد في قباله ـ إذا كان زيفاً لا اعتبار له حقيقة ـ نعم قد يخدع الزيف، كما يخدع السراب الظمآن فيعطيه الاطمينان.

ومما تقدم ظهر، أن كلا من [الثقافة المادية] أي المرتبطة بالمادة، و[الثقافة المعنوية] أي المرتبطة بالحقائق غير المادية، من حقائق واقعية وحقائق انتزاعية وحقائق اعتبارية ـ والــفارق بــيــن الثقافتين، أن المادية تــدرك بالحواس الخمس، والمعنوية لا تدرك بها بل بالفكر ـ تؤطر الإنسان في إطار خاص من الشخصية، سواء كان ذلك الإنسان فرداً أو جماعة.

أما إنه هل الأثر الأكثر للمادية أو للمعنوية فقد اختلف فيه علماء الاجتماع بين مرجح للأول، ومرجح للثاني، وقائل بالتساوي، وقائل بالتفصيل، فبعض الأفراد أو الاجتماعات يتأثرون بالمادية، وبعضهم بالمعنوية أكثر وهكذا.

1 ـ بحار الأنوار ج/ 2 ص32.

2 ـ سورة الشمسي آية 7.

3 ـ الوسائل ج/ 11 ص336.

4 ـ للتفصيل أنظر بحار الأنوار ج/1 ص158.

5 ـ بحار الأنوار ج/43 ص295.

6 ـ سورة القلم آية 9.

7 ـ سورة الحجرات آية 13.

8 ـ الوسائل ج/8 ص413.

9 ـ أنظر غرر الحكم ص215 ح3967.

10 ـ وسائل الشيعة ج/8 ص413.

11 ـ نوادر الراوندي/ 8.

12 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص485.

13 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص475.

14 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص335.


عوامل تكوين الشخصية

معرفة شخصية الإنسان ـ الشخصية بالاصطلاح الاجتماعي ـ توجب تهيئة الظروف التي تسبب استقامة الشخصية، أو لا أقل من التقليل عن الشخصيات المنحرفة، وعن انحرافات الشخصية المنحرفة، ثم إن الشخصية تتكون من:

1 ـ الفطرة، حيث أنها الأرضية المفطورة بحيث لا يمكن تغييرها كلياً، وإنما الممكن أن يزرع فيها الزرع المختلف.

2 ـ الوراثة.

3 ـ المحيط الطبيعي.

4 ـ المحيط الاجتماعي.

5 ـ الثقافة.

الفطرة… والشخصية

1 ـ أما الفطرة، فقد قال سبحانه: (فطرة الله التي فطر الناس عليها)(1) فإن الإنسان يخلق وله فطرة خاصة، قابلة للتغيير في حدود مخصومة، بينما أخويه الآخرين [الحيوان والنبات] ليس لهما إلا تغير قليل جداً، فالحيوان ليس له ذلك المجال الواسع للتقلب، وإنما له غرائز يسير الحيوان من أول عمره إلى آخره على تلك الغرائز، ولا اختلاف بين أفراده طيلة ملايين السنوات وإن احتمل بعض العلماء إمكان التطوير في الحيوان أيضاً.

والنبات أقل تطوراً، وإن كان فيه بعض التطور أيضاً، حيث أن شجرة التفاح مثلاً تختلف عن أمها، في بعض الكيفية والخصوصيات، وفي بعض خصوصيات الثمر، بل قابلة للتحسين، أو الترك حتى تكون أسوء.

والإنسان وحده دائرة تطوره كبيرة جداً، يبتدء بالمشي على قدمه، وينتهي إلى ارتياد الفضاء، وهذا لابد وأن يكون له أرضية قابلة لمثل هذا التجول عليها بهذه الدائرة الوسعية، وحدود هذه الأرضية، وإن لم يكن معلومة لنا، إلا أنها وسيعة في الدنيا والآخرة جداً.

قال سبحانه: (لتركبن طبقاً عن طبق)(2).

وقد قال بعض الحكماء: (ثم اصعد عن الملائكة واصل إلى ما لا يناله الوهم).

وفي الحديث عن الآخرة انه: (ينال الإنسان فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)(3).

والإنسان يخلق فطرة مختلفاً (فالناس معادن كمعادن الذهب والفضة)(4).

الوراثة… والشخصية

2 ـ وبعد ذلك يأتي دور الوراثة، ففي الحديث: (الولد سر أبيه) وقد ثبت في علم الوراثة ذلك، وأن الابن يحمل معه بعض ملامح الأب، وبعض ملامح الأم، وهذا جار في ملامحه الجسدية، وملامحه النفسية، فكأن نفسياته الفطرية تؤطر بنفسياته الوراثية.

وهاتان [الفطرة والوراثة] لا توجبان الإلجاء، بل الاقتضاء، حالهما حال الأدوية حيث أنها اقتضائيات لا أنها توجب الآثار قطعاً… والفطرة والوراثة تبقيان مع الإنسان من أول عمره إلى يوم مماته.

دور المحيط الطبيعي في تكوين الشخصية

3 ـ وبعدهما يأتي دور المحيط الطبيعي، فإن للمناخ المحتوي على كيفية خاصة من الحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة تأثيراً على الإنسان لا يمكن إنكاره، ولذا كان أهالي البلاد المعتدلة أكثر اعتدالاً من أهالي البلاد الحارة، حيث تغلب عليهم اليبوسة، ومن أهالي البلاد الباردة، حيث تغلب عليهم الرطوبة، وكل من الرطوبة واليبوسة لها آثارها في النفس، كما لها آثارها في الجسد.

بل للبلاد الجبلية، والسفحية، وسواحل البحر، وبلاد الأشجار والأنهار تأثيرات كبيرة في الصفات والمزايا، ولذا اعتادوا من القديم وصف أهالي البلدان بالصفات المختلفة مما يرى علماء النفس والاجتماع والوراثة ما لتلك البلاد من التأثير في تكوين شخصية أهاليها.

وكان تقسيم أر سطو الأمزجة إلى الدموية والبلغمية والصفراوية والسوداوية، مستقى من ذلك، هذا في الجملة، لا إن كل التأثير للبلد والمناخ، وإذا كان لأنواع الأطعمة التأثير في الأخلاق ـ لا أقل العابرة منها ـ كان للمناخ التأثير أيضاً إن قل أو كثر.

تأثير المحيط الاجتماعي

4 ـ أما المحيط الاجتماعي وما يتلقاه الإنسان من مجتمعه فلا يخفى تأثيره في تكوين شخصيته فإن الإنسان يولد في كمال العجز، ويبقى عاجزاً إلى حين مماته، ويكمل عجزه من محيطه الاجتماعي ـ كما يكمل بعض عجزه من محيطه الطبيعي ـ وكما يأخذ حاجاته عن الاجتماع، كذلك يأخذ صفاته وأخلاقه عن الاجتماع، ويؤطّر نفسه بإطار الاجتماع، فيلاحظ كيف أنه يتمكن أن يعيش في وسط ذلك الاجتماع ويأخذ منه حاجاته الجسدية والنفسية فيلاحظ الفعل ورد الفعل ويؤطر نفسه بتلك الشبكة المنسوجة حوله.

والفطرة، والوراثة، والمحيط الطبيعي، تنسحب أمام المحيط الاجتماعي بقدر ممكن من الانسحاب، ولذا نجد حتى المرضى ونحوهم إذا وقعوا في الضغط الاجتماعي، ساروا كما يريده الاجتماع حسب الممكن.

الثقافة… صانعة الإنسان

5 ـ وأخيراً يأتي دور الثقافة فالإنسان يتمكن أن يخزن ثقافته التي استفادها بأي طريق كان، في الكتب ونحوها، وكل جيل متأخر يتعلم من الجيل المتقدم لا تجاربه فحسب، بل ما اختزنه في الكتب، حتى يأتي دور جيل ـ كجيلنا المعاصر ـ تجمعت لديه مليارات العلوم والتجارب المتراكمة منذ الأجيال السابقة.

وهذه الثقافة التي تلون الاجتماع تحتوش الإنسان من كل مكان، وتــؤثر فــيه وتؤطره بإطارها، وحتى الذين يفرون من الاجتماع إلى الكهوف والصوامع قد لونوا بلون اجتماع ما ويحملون معهم ذلك اللون إلى هناك، كما يحملون معهم لغة اجتماعهم وذكرياته، نعم إذا ربي الطفل بين الحيوانات لا يتلون بلون الاجتماع.

وهذا الاجتماع الذي يحتوش الإنسان يعطي للإنسان هيئة اجتماعية، فيعيش الإنسان في شبكته، ويتغير حسب تغيره، ويبتدء احتواء الاجتماع للإنسان من أول أيام حياته، ولذا نجد الطفل من أوائل أيامه يأخذ في ملاحة الاجتماع والتعلم منه، والأنس به وطلب الحوائج إليه.

ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (اطلب العلم من المهد إلى اللحد). وقد ثبت في العلم أن مخ الطفل كالشريط يأخذ ما يلاقيه، ثم يختزن ذلك في لاوعيه، ويرشح بعدئذ ذلك المخزون من أفكاره وأعماله، والميت يفهم وهو في لحده ولذا يلقن في القبر ـ كما ورد في الشرع ـ.

ثم الإنسان لا يتعلم حاجاته الأولية وأصول معاشرته من الاجتماع فقط، بل يتعلم الحاجات الثانوية، مما يحتاج إليه في معاشرته الاجتماعية أيضاً، كالآداب والرسوم والتقاليد والعادات الاجتماعية وهي حاجات اجتماعية لا أولية فإن الحاجات الأولية هي المأكل والمشرب والمسكن ونحوها.

ويبدء الاحتواء الاجتماعي من العائلة ثم المدرسة، وإلى الاجتماع الكبير بل وإلى الاجتماع الأكبر، بسبب الإذاعات والأسفار ونحوها، ولذا قالوا: (من لم يؤدبه الأبوان أدبه الزمان) حيث أن الإنسان إذا لم يتطور حسب التطور الاجتماعي ولم ينفعه نصح العائلة، اصطدم بموازين الاجتماع، مما يصفع بسببه.

والثقافة بضميمة الأمور الأربعة السابقة تعطي الإنسان فرداً أو جماعة ـ الشخصية ـ فيقال شخصية فلان، أو شخصية البلد الفلاني، وهكذا.

أجواء نمو الشخصية

كيف يمكن إنماء الشخصية الاجتماعية حتى يصل الاجتماع إلى شخصيته المطلوبة، أي القابلة؟ إن ذلك إنما يكون في ظل إنماء الشخصية الفردية، إذ الشخصية الاجتماعية عبارة أخرى عن تجمع الشخصيات الفردية، إنه لاشك في أن الاجتماع له شخصية غير شــخصيـــة كل فرد فرد، كــما أن البحر له قوة غير قوة كل قطرة قطرة، لكن بصورة عامة يتوقف الكيان الاجتماعي على الكيان الفردي، سواء في الشخصية أو في البحر والقطرة، أو في الجيش والجندي، أو في البناء والأجرة، أو في الواحد والألف ـ من الأعداد ـ.

وعليه فاللازم ملاحظة أنه كيف تنمو شخصية الفرد ـ ثم إذا كان للاجتماع بما هو اجتماع شرائط وآداب لنموه، يلزم ملاحظة ذلك في مرتبة ثانية ـ ولدى الاستقراء والسبر يرى أن الشخصية الفردية إنما تنمو في ظل كون [الحكم] و [العلم] و [المال] للجميع بأن يكون الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم، وكل يتمكن من العلم تمكنه من الماء والهواء، وكل له نتيجة سعيه الفكري والجسدي، بالإضافة إلى [قيمة المواد، وما له من الشرائط والعلاقات الاجتماعية].

وفي مثل هذا الجو [لكل قدر استحقاقه من الحكم والعلم والمال] تنمو الشخصيات نمواً ممكناً، وقد كان قبل الإسلام كل من الثلاثة محتكرة على طائفة الحكام، وحتى أن العلم كان محظوراً إلا للموبذ ـ في إيران ـ وللكنيسة ـ في الرومان ـ وجاء الإسلام ليعطي لكل حقه، ولكن إلى الآن لم تقدر الدنيا على ذلك، حيث أن العلم محروم منه الطبقات الفقيرة ـ كما تقدم في مسألة سابقة ـ.

والحكم في الغرب تحت سيطرة المال، وفي الشرق تحت سيطرة الديكتاتور… والمال يستغل في الغرب لمصلحة الرأسماليين، وفي الشرق لمصلحة الحكام… وليس المراد بكون الحكم للجميع إلا [الاستشارية] الصحيحة ـ مع لزوم أن يكون بالشرائط الإسلامية، كما هو عقيدة المسلم ـ.

ولا يمكن إخراج الحكم والمال والعلم عن السيطرة الفردية، والاحتكار إلى التوزيع العادل بين الجميع، إلا بتوزيع القدرة، فقد قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (من ملك استأثر)(1) وتوزيع القدرة لا يمكن إلا بالوعي الجماهيري بأن يعرف الكل كم حق كل أحد من العلم والمال والحكم.

فإذا وعى الجميع لا يتمكن المستثمرون من استثمار علم أو مال أو حكم غيرهم، كما هو الحال في عالم اليوم وإن اختلفت البلاد في شدة الاستثمار وضعفه، نتيجة لكثرة الوعي ـ في الجملة ـ في بعض البلاد وقلته في بعض البلاد الأخر.

فإذا وعى الجميع، تبع ذلك تشكل المنظمات الحافظة للمكاسب، والمنمية لها، أما المنظمة الواحدة فهي عبارة أخرى عن الديكتاتورية، كما نشاهد ذلك في البلاد التي يحكم فيها حزب واحد، فإن الإنسان أقرب شيء إلى الديكتاتورية والفردية.

طبيعة الحكم الديكتاتوري

ومن طبيعة الديكتاتورية:

1 ـ السرية في العمل، حيث أن الديكتاتور دائماً متآمر يريد بذلك أن يحفظ قدسه أمام الناس، فيعمل في السر ما يظهر في العلن خلافه.

2 ـ إظهار أنه العامل الوحيد في الساحة وإن كل الفضل يرجع إليه.

3 ـ تنفيذ آرائه فقط، أما غيره فرأيه غير صحيح، فهو فرد الله المختار الذي يفهم ما لا يفهمه غيره.

4 ـ استئثاره بكل الغنائم، أي أن كل السمعة، وكل الدعاية، وكل الخير له فقط، أما من عداه فله بقدر ما تفضل عليه الديكتاتور تفضلاً محضاً وإحساناً صرفاً، فقد يجعل خيرة الأموال لنفسه وجماعته ملكاً صرفاً، وقد لا يجرء على ذلك، بل يحوط الأموال لصرفها في هواه ـ وإن سمى ذلك بألف اسم آخر ـ ولا فرق في الدكتاتورية بين الصريحة، أو الملتوية تحت صورة [مجلس الأمة أو مجلس القيادة، أو مجلس الشعب] أو غير ذلك، وقد شاهد العالم أمثلة واضحة لذلك في ستالين وهتلر وموسيليني وماو، وأضرابهم من الديكتاتوريين الأصغر منهم حجماً، وإن كانوا مثلهم في كل الخصوصيات.

ومما تقدم ظهر أنه لو نظم المجتمع تنظيماً صحيحاً، بحيث يكون العلم والمال والحكم في متناول الجميع بما يستحقون، نمت الشخصية الاجتماعية نمواً صحيحاً، بالعكس من المجتمع المبني على الفوضى، حيث كل أحد يحاول أن يحفظ نفسه بالقدر المستطاع فلا مجال له للنمو، ومن المجتمع المبني على الديكتاتورية، حيث أن البناء الديكتاتوري يمنع عن النمو.

اختلاف النفسيات

وكما أن البذور مختلفة ـ فإذا وجدت المناخ المناسب نمت كل بذرة بما فطر لها، من الأشكال والألوان والطعوم وغير ذلك، كذلك أفراد الاجتماع بصفاتهم المختلفة، وقد قسم بعض علماء الاجتماع أفراد الاجتماع إلى أربعة أقسام هي:

1 ـ الهادئ، حيث يرجح التعقل والتفكر والتأني والتروي.

2 ـ المتحمس حيث يرجح الإقدام والاقتحام والاستهانة بالمخاطر.

3 ـ المنسجم الذي يميل إلى الانسجام والمداراة.

4 ـ المتنفر الذي يميل إلى الانفصام والابتعاد.

ولا يخفى أن الصفات المذكورة تكمل بعضها البعض الآخر، ولذا يشاهد أن الجمعية المركبة من القسمين الأولين، يمنع هادؤها متحمسها من الإفراط كما يمنع متحمسها هادءها عن الركود، وتكون النتيجة الإقدام العقلائي، وكذلك في جمعية تجمع بين المنسجم والمتنفر، وهكذا بالنسبة إلى بقية أقسام ضرب الأربعة بعضها في بعض.

ومع أنا نرى في عائلة واحدة قسمين أو أقساماً من الأولاد، إلا أن التربية لها أثر فعال في تلوين المجتمع، بأحد الألوان المذكورة، أو المزيج المتوسط منها، فبعض الأمم يربون على التعقل والتأني، بينما بعض آخر يربون على الإقدام والاندفاع، وهكذا… ولذا اشتهر أن شعب العراق له صفة كذا، وشعب إيران له صفة كذا، والآسيويين ليسوا في صفاتهم كالإفريقيين وتختلف سمات الأمريكيين عن الأوروبيين، وهكذا.

ثم إنه ليست حدود خاصة بين الأقسام المذكورة، حتى تكون التمايز كلياً، ولذا يشاهد في أمة لها شخصية خاصة، أفراد لهم شخصية متوسطة أو مخالفة وإنما هم عالم الاجتماع، ملاحظة الأعم الأغلب.

الاهتمام بالتربية والتثقيف

وحيث أن كثيراً من الشخصية الفردية والاجتماعية، يتوقف على أسلوب التربية والتثقيف، فاللازم على الذين يريدون إصلاح المجتمعات الاهتمام بهذا الجانب، فإن ظهور الشخصية ـ حسب التأديب ـ وإن كان بطيئاً، إلا أنه نواة لابد وأن يظهر ثمرها، ولو بعد حين، ولا فرق في ذلك بين تأديب الإنسان نفسه، أو أولاده، أو أقرباءه، أو من يتمكن عليه من أفراد مجتمعه.

قال علي عليه السلام: (سوء الأدب سبب كل شر)(2).

وقال عليه السلام: (أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه)(3).

وقال عليه السلام: (لا ميراث كالأدب)(4).

وقال عليه السلام: أيها الناس تولوا من أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها)(5).

وقال عليه السلام: (غاية الأدب أن يستحي الإنسان عن نفسه)(6).

وقال عليه السلام: (لا تقروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)(7).

أقول: فإن ذلك من بعد المدى، حيث يجب أن يؤدب الإنسان ولده اجتماعياً، بحيث يقدر على أن يساير الاجتماع، في نطاق الأحكام الإسلامية.

وقال عليه السلام: (المرآة التي ينظر الإنسان فيها إلى أخلاقه هي الناس، لأنه يرى محاسنه من أوليائه منهم، ومساوءه من أعدائه فيهم).(Cool… إلى غيرها.

ولا يخفى، أن المجتمع كلما كان أكبر، كان أقرب إلى القوام والاعتدال لأن العناصر المختلفة التي تصب فيه بثقافاتها المختلفة توجب تلون الاجتماع باللون الأنصع، فإن من طبيعة الإنسان أن ينظر إلى الأعلى فيتخذه أسوة، وأن يسعى بمثل سعي الأكثر سعياً لئلا يفوته الركب.

ولذا كان من صفات المجتمعات الكبيرة:

1 ـ وجود المحاسن فيها.

2 ـ اقترابها بمجموعها إلى الاعتدال.

3 ـ سرعتها في السير والتقدم إلى الأمام.

فإنه وإن كانت المشاكل في مثل هذه التجمعات أكثر، إلا أن محاسنها أكثر من مساوئها، ولذا أمر علي عليه السلام: بسكنى المدن الكبار، وكان المجتمع الكبير من أحسن أسباب إعطاء [الشخصية] المعتدلة للإنسان، فرداً أو جماعة أو مجتمعاً.

عوامل صياغة الشخصية الفردية

ثم إن الشخصية الفردية ـ والتي تؤثر بالآخرة في شخصية الاجتماع ـ إنما تصاغ بسبب العوامل التالية:

1 ـ الصفات النفسية:

1 ـ الصفات النفسية الفطرية المودعة في نفس الفرد منذ الولادة، ولذا نشاهد طفلين شرائطهما متحدة من جميع الحيثياتـ، ومع ذلك أحدهما أجرء من الآخر، أو أكرم، أو أذكى، أو ما أشبه ذلك.

وقد ثبت علمياً، أن صفات الأبوين، بل الأقرباء كالعم والخال، وحالتهما عند انعقاد النطفة، وخصوصيات غذاء الأم حال الحمل، بل وبعض جهاتها الأخر، لها مدخلية في نفسية الطفل، وفي الفقه: [باب النكاح] فصل الأولاد، روايات بهذا الشأن.

2 ـ الخصوصيات الجسدية:

2 ـ خصوصياته الجسمية، من طول وقصر، وجمال وقبح، وكمال ونقص، وصحة ومرض، وما أشبه فإنها سهيم في تكون الشخصية، مثلاً القصر غير المتعارف أو الطول غير المتعارف، يسببان تحقير الناس له [وإن كان التحقير غير صحيح] والتحقير يسبب عقدة نفسية في الإنسان، مما يسبب له شخصية معقدة يظهر أثرها في أعماله.

بالعكس المجيل يحظى باحترام الناس، مــما يسبب له عـــدم الانطوائية، وحفظ احترام نفسه، لئلا يخيب ظن الناس فيه، وقد ورد: (إن الله جميل يحب الجمال) (9)، وورد: اتخاذ الظئر الجميل للرضاع لأن اللبن يعدي وورد: (خير نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً)(10).وحال القبيح، والناقص، والمريض، حال القصير والطويل… بالإضافة إلى أن المريض أو الناقص لا يقدران على ما يقدر عليه الصحيح والكامل، وكل ذلك يعطي للإنسان شخصية مناسبة لتلك الظواهر.

3 ـ المحيط الطبيعي:

3 ـ كون الفرد ريفياً أو مدنياً، يعيش في ساحل البحر، أو الغابة، أو الجبل أو غيرها، وذلك لأن المناخ يعطي للإنسان شخصية خاصة ـ كما تقدم في بعض المسائل السابقة الإلماع إلى مثل ذلك، مثلاً: الريفي أصرح من المدني، والذي يعيش في الغابة أشجع من غيره… ومن هذا المنطق كانت عادة قريش ـ قبل الإسلام ـ إيداع أولادهم الرضع إلى المراضع البدوية لينشأوا شجعاناً فصحاء صرحاء أصحاء الجسم، وكما قال علي عليه السلام: (فإن الشجرة البرية أصلب عوداً، وأكثر وقوداً وأبطؤ خموداً)(11).

4 ـ الوضع المعيشي:

4 ـ إنه عاش في طبقة فقيرة أو غنية أو متوسطة:

أ ـ فالفقيرة، ترضع الأمهات أولادها طويلاً، ويتعلم الولد على حياة الخشونة، وحيث أن للفقير روابط قليلة، يخرج الولد بشخصية جسورة صريحة بسيطة… بينما العكس من كل ذلك أولاد الطبقة الغنية… أما المتوسطة فالأولاد يكونون بين الأمرين.

ب ـ حيث أن الطبقة الفقيرة تعمل دائماً لأجل المعاش، لا يتسرب إلى أولادها مسائل المعاشقة والأمور غير المشروعة، مما يكون سببها [الفراغ والجدة] بالعكس من أولاد الأغنياء المنحرفين، حيث يتوفر لهم [ذان الأمران] بتوابعهما.

ج ـ سهولة الحياة عند الطبقة الفقيرة، بخلاف الطبقة الغنية، حيث أن قلة المادة والاشتغال بالمعاش يمنع الفقير، من أن يركم على نفسه أغلال الحياة، من رسوم الزواج والولادة والموت، وغير ذلك مما تلازم حياة الغنى والدعة في الغالب، وكذلك الحال في المسكن والملبس والمركب والسفر والمرض، وغير ذلك.

د ـ يغلب في الطبقة الفقيرة الإقدام والإفراط، فيما الغالب في الطبقة الغنية العكس، وذلك لأن الروابط التي تحيط الفقير أقل، ولا مال ولا جاه له حتى يلاحظهما في سلوكه، بينما كل ذلك بالعكس في الطبقة الغنية.

وعليه فالطبقة الغنية لهم شخصية خاصة، ليست كشخصية الطبقة الفقيرة، والطبقة المتوسطة تعيش بين الطبقتين في الشخصية.

5 ـ العمل الاجتماعي:

5 ـ بعد ذلك يأتي دور الشغل، فإن الأشغال المختلفة تعطي للإنسان شخصيات متفاوتة، فالمرجع الديني، والخطيب، والقاضي، والمعلم، لهم شخصية خاصة، لا تماثل شخصية الجندي، والتاجر، والموظف، وما إلى ذلك والسبب أن العمل في نفسه، والمرتبطين بأي عامل عامل، يتطلبان نوعية خاصة، فاللازم أن يصب العامل ـ من أي لون عمل ـ نفسه في قالب ذلك الكيفية من الطلب، وإلا لم يتمكن من إنجاح عمله.

ومنه يعلم، اختــلاف الشخصيات، ولو كـــانوا في إطار عام واحد، كالمرجع والخطيب، بل ومدرس الابتدائية والثانوية والجامعة.

6 ـ التعليم:

6 ـ وأخيراً يأتي دور التعليم بشعبه:

أ ـ البيتي.

ب ـ والمدرسي.

ج ـ والاجتماعي الصغير.

د ـ والاجتماعي الكبير، حيث أن العائلة مدرسة للأطفال، يتعلمون فيها كثيراً من الآداب والرسوم، ثم المدرسة تعطي التوجيهات، وإذا كان الإنسان منضماً إلى جماعة: كقومية، أو دين، أو منظمة، أو حزب، أو ما أشبه، تعلم منهم أموراً، ليست كسائر التعاليم السابقة، وأخيراً يأتي دور ما يتعلمه الإنسان من الاجتماع العام.

وهذه الأمور كلها تعطي الشخص كيفية خاصة من [الشخصية].

ولا يخفى، أن بعض الأمور المذكورة التي لها مدخلية في إضفاء الشخصية على الفرد، أكثر نفوذاً في الشخص من البعض الآخر، مما تكون [شخصية] الشخص مستندة إليه بنسبة أعلى من استنادها إلى أمر آخر، مثلاً: النفوذ البيتي والمدرسي، أثرهما أكثر من النفوذ الاجتماعي والحزبي.

والسر أن الطفل صفحة بيضاء، فكلما نقش فيها تلونت تلك الصفحة بذلك اللون، فإذا جاء لون آخر يريد إزالة ذلك اللون السابق، لم ينفذ كنفوذ اللون السابق، فيبقى اللون الجديد باهتاً، بينما اللون القديم يبقى قاتماً، هذا بالإضافة إلى أن تقبل الطفل أكثر وأسرع من تقبل غيره، وإن لم يكن اللون الجديد مضاداً للون القديم، ولذا يبقى لون العائلة والمدرسة في نفس الإنسان وفي أسلوب حياته إلى زمان موته، بينما ليس كذلك لون حزبه واجتماعه الكبير.

اختلاف الاستجابة للمؤثرات

ثم لا يخفى أن استجابة الناس ـ أطفالاً، أو كباراً ـ للألوان التي يراد إضفائها على النفس والسلوك، مما بالآخرة تعطي [الشخصية] مختلفة، وذلك لأن الأنفس فطرت متفاوتة، كما أن الشخصيات تتفاوت في قدر تقبل اللون الجديد والمدة التي يحتاج إليها الشخص حتى يتهيأ للتقبل.

مثله، مثل الماء الواحد، الذي يلمسه ثلاثة أفراد، فيحس كل واحد منهم بحس مخالف للحس الآخر، فإذا كان [ماء فاتر] و [كان ثلاثة أشخاص] أحدهم خرج من الماء البارد، والآخر من الماء الحار، والثالث من الماء الفاتر، فإذا دخل الثلاثة في هذا [الماء الفاتر] وجده الأول حاراً، والثاني بارداً، والثالث فاتراً، وليس ذلك لاختلاف الماء، وإنما لاختلاف الاستجابة.

وقد فحص جماعة من علماء الاجـــتماع كـــيفيـــة تكون [الشخـــصية] فوجدوا أن في مأة عائلة يتقولب الأطفال بأخلاق أبويهم [55] وبأخلاق أصدقائهم [33] وبأخلاق المرشدين [9] وبأخلاق المعلمين [3] وهذه النسب وإن كانت مشكوكة، إلا أن المسلم أكثرية تأثير العائلة، ثم الأصدقاء، وقد ورد (المرء على دين خليله).

كما أن مثل هذا الإحصاء لا يصدق إلا ما في الظروف العادية، فإذا كانت العائلة في فوضى واضطراب، وكان الأصدقاء في تضامن وبناء، صار العكس بأن تقولبت شخصية الأولاد بقوالب الأصدقاء لا بقوالب العائلة.

التخطيط لإنماء الشخصية

والاجتماع بشلاله الهادر قادر على الاستفادة من [مادة الشخصية] أكبر قدر من الاستفادة، كما أنه بالعكس قادر على إلزام [الشخصية القابلة] زاوية العزلة والانزواء، ولذا كان على المخططين الاجتماعيين تنظيم الاجتماع، بحيث تكون الشخصيات الرفيعة، وبحيث يستفيد من [المواد] ومن الشخصيات إلى آخر قطرة من الاستفادة الممكنة… ولا يمكن ذلك إلا بحرية [العلم والمال والحكم] كما ذكرناه في أول المسألة، والله المستعان.

ومما تقدم ظهر أن الاجتماع يربي الأفراد تربية عامة، حسب اتجاه الاجتماع، محارباً أو مسالماً، عاملاً أو عاطلاً، كريماً أو بخيلاً، جباناً أو شجاعاً.

التوجيه السليم لصفات الأمة

وحيث أن بعض الصفات يمكن استخدامها في الصحيح، أو في الباطل فالمصلح القدير هو الذي يتمكن من توجيه الصفة التي تستخدم في الباطل في الأمر الصحيح، مثلاً: إذا كانت الأمة مسرفة في الصرف على الولادة، والزواج والأموات، أمكن صرف صفتها الإنفاقية ـ والتي تصرف بإسراف في الأمور المذكورة ـ في المشاريع الخيرية، كالمدارس، والمساجد والمستوصفات وما أشبه.

والنبي صلى الله عليه وآله استفاد من هذه القاعدة الإلهية، فقد كانت القبائل العربية تصرف طاقة شجاعية هائلة في محاربة بعضها لبعض، فصرفها الرسول صلى الله عليه وآله في محاربة الخارج، لأجل إعلاء كلمة الله وإنقاذ المستضعفين، كما صرف صلى الله عليه وآله إسرافهم في إنفاقات كانوا يسمونها كرماً في إعطاء الحقوق الشرعية، والصرف في سبيل الجهاد، وصرف قريحتهم البليغة وفصاحتهم الشعرية والنثرية في الإرشاد والبلاغة.

فبينما كانت تصرف القريحة الشعرية في:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل

صرفها الرسول صلى الله عليه وآله في:

يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول منادياً

إلى غير ذلك، وبينما كان العربي يقتل العربي في سبيل ناقة، في حرب البسوس، أخذ المسلم يجالد الفرس والروم في سبيل [الحقيقة] عوض الخرافة، وفي سبيل نشر العلم بعد أن كان محتكراً عند الأشراف، وهكذا.

وإذا كانت بعض الأمم تفقد الصفة الخيرة، فاللازم على المصلح، إرشادهم إلى فطرتهم المطوية على تلك الصفة… كما أن اللازم على المصلح صرف الصفة المنحرفة، من أوليات رغبات الإنسان في الجهة المستقيمة، مثل أمة تصرف شهواتها في الشذوذ والانحراف الجنسي، حيث أن اللازم توجيههم نحو صرفها (في ما خلق لكم ربكم)(12) ـ كما قاله لوط عليه السلام لقومه.

فإن الفرد كالمجتمع أرض قابلة لمختلف الزرع، فاللازم زرع الطيب فيها إن كانت قفراء، وإن كان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-ashraq.yoo7.com
ahmed
المدير
المدير
avatar

الثور عدد المساهمات : 152
نقاط : 518
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 21/03/2009
العمر : 23

مُساهمةموضوع: رد: الشخصية الانسانية   الجمعة يناير 14, 2011 5:02 pm

وقد لخص جملة من علماء الاجتماع، أسباب الانحراف في:

1 ـ عدم استقامة العائلة.

2 ـ الحرمان.

3 ـ تناقضات الاجتماع.

العائلة… وانحراف الشخصية

1 ـ فعدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يربى فيه الأولاد، إما بالكبت، أو بالتنازع، أو بالمزيد من العطف، فإن كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي بالآخرة إلى الانحرافات الروحية، قالوا: ولذا نجد كثرة الانحرافات النفسية عند الأيرلنديين لتشديد الأمهات في تربية أولادهم، وعند اليهود لتكثير الأمهات من العطف، واللطف بأولادهم، وعند الإيطاليين لتشديد الآباء على الأولاد، وعند جماعة من الأمريكيين لكثرة المنازعات بين الأخوة والأخوات.

وفي كثير من البلاد الغربية يقع الأولاد أوائل بلوغهم بين تناقض متطلبات العائلة منهم، مثلاً: من ناحية يريد الأبوان من البالغين الاستقلال في إدارة أمورهم الاقتصادية وغيرها، بل وحتى الجنسية، ومن ناحية أخرى يربطون الأولاد بالبيت وبالطاعة للأبوين والكبراء، ومن الطبيعي أن يقع التناقض بين الاستقلال واللا استقلال.

وكذلك الحال يكون مع الأولاد الذين يريد الآباء منهم الطاعة، ولا يقومون بكل حوائجهم ولو عدم تزويجهم، وبذلك يحدث الانفصام والعقد النفسية، فاللازم إما إعطاء الحاجة ـ ولو النواقص منها ـ في قبال الطاعة وإما ترك الأولاد ليقوموا بحوائج أنفسهم باستقلال من غير تطلب الطاعة منهم.

فالطاعة لا تكون إلا في قبال إعطاء الحاجة، فإذا اختل الميزان اختلت الصحة النفسية بما أوجب الانحراف، وهذه هي حالة الحكومات في قبال الشعوب، فاللازم إما إعطاء حاجاتهم في قبال تطلب الطاعة منهم، وإما تركهم وشأنهم لتحصيل حاجاتهم بأنفسهم بدون تطلب الطاعة، وإنما يكون شأن الحكومة حينئذ شأن المراقب لئلا يطغى بعضهم على بعض.

وفي بعض الأمم يتجلى التضاد في العائلة بمظاهر أخر، مثلاً: الأب يريد المجازاة للمسيء من الأولاد، لكن الأم تمنع ذلك، فيقع الطفل بين هذين النقيضين، أو يريد الأب إنهاء الدراسة للأولاد ليساعدوه في عمله ومزرعته، وتريد الأم عكس ذلك، أو تريد الأم زواج البنت، ويريد الأب عدم زواجها لأجل خدمة البيت، أو غير ذلك.

ولون آخر من ألوان التضاد، تسييب الأولاد في الدار، وإرادة الانضباط منهم لدى الذهاب إلى السفر، أو إلى الضيافة؛ أو عند حلول الضيف لديهم.

والحاصل: أنه كلما يوجب الازدواجية يوجب انفصام الشخصية مما ينجر بالآخرة إلى الأمراض والعقد النفسية… وحيث أن النفس والجسم يتبادلان المرض، ولذا قيل: (العقل الصحيح في الجسم الصحيح) فإذا مرضت النفس وتعقدت أوجبت بالإضافة إلى انحراف خط سير الحياة للمريض ولمن يرتبط به، تأثير المرض النفسي إلى جسمه.

ولذا اعتاد علماء الطب [النفسي الجسمي] فحص صور المرض الجسمي في النفس، فإن لم يوجد هناك مرض، استوجده في الأعضاء، والأجهزة البدنية.

دور الحرمان في الانحراف

2 ـ أما دور الحرمان فهو كبير في خلق الانحراف، فإنه يؤثر في الانحراف من جهتين:

(الأولى) أن الحرمان يؤثر على الجسم نقصاً في جهاز من الأجهزة، سواء كان بسبب سوء التغذية، أو بسبب عدم الوقاية من الحر والبرد، أو بسبب عدم وسائل الصحة في الماء والهواء، أو بسبب عدم الدواء… فيؤثر الاختلال الجسمي في الاختلال النفسي ـ كما تقدم وجهه.

ولذا نرى في البلاد ذات الاختلاف الطبقي تبتلي الطبقة الفقيرة بأمراض النفس مما لا يوجد مثل ذلك في الطبقة الغنية، ويعرف ذلك جلياً في الأحياء السكنية الفقيرة والغنية.

فالحياء السكنية الفقيرة، كما تكثر فيها الأمراض والأسقام الجسمية، كذلك تكثر فيها الأمراض النفسية والانحرافات الروحية، بخلاف الأحياء السكنية الغنية، وإذا ارتاد الإنسان المستشفيات، والمصحات العقلية، ودور المجانين يجد أن نسبة من فيها من الفقراء أكثر بكثير من نسبة من فيها من الأغنياء.

ومن أجل ذلك يكون المبتلى بالانحراف النفسي أكثر بكثير، في العوانس والأرامل، والأيتام والنساء اللاتي طلقن، والرجال الذين طلقوا زوجاتهم، من غير هؤلاء، كالنساء والرجال ذي الأزواج، والذين لم يصلوا مبلغ الزواج من الصنفين، والأولاد الذين لم يصابوا بفقد أحد الأبوين.

تناقضات المجتمع تزرع الانحراف

3 ـ أما تناقضات الاجتماع، فهي الأخرى توجب الانحراف، حيث يقع الفرد بين جهتين متضادتين، ويسبب ذلك انفصام شخصيته واختلالاً في داخله يجره إلى الانحراف، مثل ما إذا وقع الاجتماع بين كماشتي الثقافة القديمة، والثقافة الجديدة، أو وقع الفرد بين التضاد الثقافي، لأن ثقافته الاجتماعية توجب شيئاً، وثقافته الحزبية أو ما أشبه توجب شيئاً آخر، وكما إذا أمره دينه بشيء واجتماعه بشيء آخر.

ولذا نجد الانحراف في البلاد الإسلامية بكثرة بعد أن غزتها الثقافات الدخيلة ونرى من يفرط في شرب الخمر بما لا يفعل مثله زميله في بلاد المستعمر، إلى جانب من يفرط في التطهير إلى حد الوسوسة، بما لم يأمر به الإسلام، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وقد نعى جماعة من علماء الأخلاق في الغرب، تحطم الاجتماع الغربي من جهة التناقضات السائدة في تلك البلاد، لأن الاجتماع يدعوا الفرد من ناحية إلى حب الإنسان وخدمته ومراعاة حقوقه، ومن ناحية إلى حب الشهرة وجمع المال وتطلب المزيد من الربح، وكذلك يدعوه تارة إلى الرؤية المستقبلية والوعي والرشد الفكري، وتارة إلى حقائق مقبولة بواسطة الدعايات الملتوية في الإذاعات والصحف وغيرها، وهكذا يزيد تارة من حاجاته الاقتصادية بسبب المنتجات الاقتصادية الجديدة ذات الجمال والبريق، ثم لا يهيء له الوسائل الكافية، والإمكانات لاحتواء تلك الحاجات، وكذلك في أمر الإسلام والحرب والاستعمار والتحرر، بينما السلام هو ظاهر دعاياتهم والتحرر هو مدعاهم، يعملون ليل نهار للحرب، وللاستعمار الأكثر فالأكثر.

حربة الاستعمار تصيب حامليها

وينبغي هنا أن ننوه إلى حقيقة هي أن الإنسان لا يمكن أن يكون على شاكلتين ـ إلا إذا كان مريضاً منفصم الشخصية ـ قال سبحانه: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)(10) والشاكلة الواحدة لا تأتي إلا بالعمل الواحد المشابه لتلك الشاكلة.

(قل كل يعمل على شاكلته)(11) ولذا عادت أضرار استعمار البلاد ونيران حروبها إلى أنفسها بمثل ما رجعت إلى البلاد المستعمرة والمحاربة، ولكن بصورة مختلفة ـ وإن كان المغزى واحداً ـ.

فالحالة الاستعمارية في تلك البلاد سببت:

1 ـ استعمار دولها لشعوبها، كما استعمرت تل الدول البلاد المستعمرة وقد صدقت الحكمة القائلة: (من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل الله عليه ساخطاً حتى ينزع من معونته)(12) وما ورد من أنه: (كما تدين تدان)(13) فإن حالة الظلم إذا وجدت في إنسان لم يهتم أن يظلم عدوه أو صديقه، وفي المثل الإسلامي، أن هارون كما قتل موسى بن جعفر عليه السلام قتل البرامكة الذين ساعدوه على ظلمه.

2 ـ المؤامرة الدائمة من بعضهم ضد بعض، بما لا تدع لهم راحة فهم في ضيق البلاد المستعمرة، وإن لم يكن من جهة الاستعمار الظاهر، وقد قال سبحانه (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) (14).

كما أن حروبهم لأجل الاستعمار أورثت لهم بالإضافة إلى كره الأمم المحاربة لهم، والحروب البادرة بينهم، حربين عالميتين كانت كل حرب منهما تساوي القدر الذي حاربوه مع الأمم الضعيفة، قبل تلك الحرب إن لم تكن أكثر، وقد يجتمع هذه الحروب التي أشعلوها ضد الأمم ـ بعد الحرب العالمية الثانية ـ لتنفجر ضدهم في حرب عالمية ثالثة.

شروط عقاب المنحرف

المنحرف يجب أن يعاقب بعد ملاحظة أربعة أمور:

1 ـ الجريمة.

2 ـ والمجرم.

3 ـ والاجتماع.

4 ـ والصلاح.

فمثلاً: هل حجم الجريمة زنا محصن، أو زنا غير محصن؟ وهل المجرم غير بالغ ليؤدب، أو بالغ ليحد؟ وهل الاجتماع صالح حتى يكون المنحرف خارقاً للصلاح العام؟

قال سبحانه: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)(15).

أو الاجتماع غير الصالح حتى يكون المنحرف خارقاً للقانون لا للصلاح العام، وقد قال صلى الله عليه وآله: (ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل، لأنه في أسوء من السحر)(16) ولم يكن جزاء السارق في المخمصة قطع اليد، وبعد تلك الأمور يأتي دور الأهم والمهم، وهل أن الصلاح العقوبة أو تركها أو قدر منها؟

قال الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث)(17).

وجعل الإسلام الصلح سيد الأحكام، وقال تعالى: (والصلح خير)(18) حتى لا يستفز الحق أحد الطرفين ويهيء الأرضية للانحراف، وقد عزل علي عليه السلام أبا الأسود الدؤلي [قاضيه] فقال له: لم عزلتني يا أمير المؤمنين، وما خنت ولا جنيت؟ قال عليه السلام: (نعم ولكن يعلو صوتك صوت الخصمين…)(19) فلماذا الصياح من القاضي؟ فإن اللازم عليه أن يحكم حسب ما يراه من الحق وذلك ممكن بصوت خافت، أما ما عداه فإنه يزرع الحقد، ويهيء الأرضية للانحراف.

وقد عفا علي عليه السلام عن شاب سارق، قال له: ماذا تحفظ من القرآن؟ قال سورة البقرة، قال عليه السلام: (عفوت عنك لسورة البقرة…) وعفا عن لائط بعد أن تاب واستعد لتقبل العقاب… وأنّب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أرجعوا ماعزاً إلى الحفرة حتى رجم فمات، وأوداه من بيت المال، إلى غيرها من القصص التي تعير مسألة كون [العقوبة حسب الجريمة، أو حسب المجرم] وكون [الاجتماع، والصلاح] يتدخلان في الأمر.

كيف يعالج الانحراف؟

وعلى أي حال، فالمهم في باب الانحراف:

1 ـ العلاج.

2 ـ وإصلاح المجتمع الصغير.

3 ـ وإصلاح المجتمع الكبير.

فإن المنحرف غالباً ليس إلا ضحية الاجتماع، فيجب أن ينظر إليه بنظر العطف والشفقة لا بنظر الغضب والازدراء، ولذا لم يرد في التاريخ ازدراء الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام بالمجرمين، وإن طبقوا عليهم ـ أحياناً ـ الحدود الشرعية.

وحتى المنافقين الذين ورد فيهم: (إنهم في الدرك الأسفل)(20) وإنهم (هم العدو)(21) لم يواجههم الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام إلا بأقل القدر الممكن من التأنيب، وكذلك الذين فروا من الزحف أو خانوا الرسول صلى الله عليه وآله في أوامره الحربية مما سببوا قتل خيرة أصحابه كحمزة عليه السلام مع أنه قال الله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله)(22).

وقال سبحانه: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)(23).

بل عامل الرسول صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام الذين حاربوهما بأقل القدر الممكن من العنف مما لابد منه ـ في قصص معروفة ـ إذ العقاب اضطرار، لم يجعل تشفياً، وإنما جعل علاجاً فهو كالعملية الجراحية لا يقدم عليها إلا اضطراراً، ثم يكون كمها وكيفها بقدر الاضطرار أيضاً، فإن الله سبحانه خلق البشر ليرحمهم.

قال تعالى: (ولذلك خلقهم)(24).

أما العذاب في الآخرة، فهو أيضاً بقدر الاضطرار، ولذا تكون الشفاعة والعفو، ثم بعد ذلك إذا حدث الاضطرار يأتي (جزاءاً وفاقاً) (25) (وإنما تجزون ما كنتم تعملون) (26).

ولذا كان شعار الإسلام: (قولوا للناس حسناً)(27) و (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(28) و (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(29). (وإن واحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)(30).

وقال علي عليه السلام: (واكــظم الغـــيط وتجـــاوز عند المقدرة، واحلم عند الغضب واصفح مع الدولة [السلطة] تكن لك العاقبة)(31).

وقال عليه السلام: (إذا قدرتك على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه)(32).

وقال عليه السلام: (أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة)(33).

وقال عليه السلام: (العفو زكاة الظفر)(34)… إلى غير ذلك من كلماتهم عليهم السلام وأعمالهم سواء بالنسبة إلى المجرمين السياسيين، أو المجرمين الجنائيين.

وقد اكتشف علماء السياسة والاجتماع، أخيراً لذلك قاعدة [عجز القوة وقوة العجز] حيث أن القوة يختفي في طيارتها العجز، فهل يمكن أن يضرب لص بمدفع ميدان؟ وهل يمكن أن يقابل سلم العدو [العجز] بالقمع؟ وللمثال… فقد انتزع حزب المؤتمر استقلال الهند من بريطانيا بالسلم، كما أن عالم اليوم عجز عن دفع عدوه مع أنه يملك السلاح النووي.

ومن كلام لعلي عليه السلام: ـ كما في نهج البلاغة ـ: (وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إلــيهم في السلامة، أن يــــرحموا أهل الذنوب والـمعــصـــية، يكـــون الشكر هو الغالب عليهم، والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه(35).

أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به؟ وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله؟ فإن لم يكن ركب ذلـــك الذنب بعينه فقـــد عصى الله فيما سواه، مما هو أعظم منه، وأيم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير، لجرأته على عيب الناس أكبر، يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه، فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية، فلعلك معذب عليه، فيكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له على معافاته، مما ابتلي به غيره).

وعلى أي حال، فعلاج الانحراف:

أ ـ استدراج المنحرف إلى الاستقامة من أقرب الطرق وأسهلها، فإذا كان إجرامه لأجل فقر أو عدم زوج أو زوجة أو مرض أو منافسة، أو ما أشبه عالج فقره، وزوجه [وقد زوج علي عليه السلام مومسة] وهيء وسائل صحته، واصلح بينه وبين منافسه، أو أبعد أحد المنافسين عن الآخر ـ إن أمكن الإبعاد ـ وقد أمر الإمام الصادق عليه السلام بعض أصحابه أن يعطي من مال الإمام عليه السلام لطرف النزاع حتى يصطلحا إذا كان النزاع على مال.

ب ـ تهيئة مصحات تمزج العلاج، بتشغيل المنحرف، إذ المنحرف إذا ارتبط بالعمل لم يبق له فراغ للانحراف الفكري أو العملي، فإن فكره يشتغل بعمله، وتعبه العملي يورث انضباط أكله ونومه مما يسببان له راحة وبهجة، وبالأخص إذا كان شغله مغرياً وموجباً لتقدمه، حيث أن ذلك يسبب أن ينظر إلى نفسه بالرفعة فيتجنب تعاطي الأمور الوضيعة، والتفكر في الأمور السخيفة.

ج ـ إذا كان مستحقاً للعقوبة عاقبه بقدر الضرورة، كماً وكيفاً [كما تقدم].

إصلاح المجتمع الصغير

د ـ إصلاح المجتمع الصغير، أي الــعائلـــة والمدرسة ونحوهـــما، فقد سبق أن للمشاكل العائلية وسوء تربيتهم للأولاد، وانحراف الثقافة في المدرسة، وسوء معاشرة المعلم ونحوه للتلاميذ، يسببان لهم انحرافاً… فاللازم على الأبوين إعطاء الأولاد العقل والعاطفة معاً، بدون إهمال أو تشديد حتى يحس الطفل بالأمن ويشعر بحدود عمله، فيعطيانه حاجاته، وفي نفس الوقت يعلمانه الانضباط والنظافة والأدب والعمل، وحب الآخرين، والمشاركة معهم وعدم الاستبداد.

يقول الشاعر:

والأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلاً طيب الأعراق

أما المدرسة فهي محل التربية الفكرية والعملية، وتقويم الطفل فيها أصعب من تقويمه في البيت، حيث أنه في المدرسة تختلط الأجواء، فإن لكل طالب جواً، والنفس تسرع في اكتساب السيئات أكثر من كسبها للحسنات… ولذا يكون اللازم استقامة الثقافة، واستقامة التربية، والمواظبة الكاملة على عدم سراية الأخلاق السيئة من بعض الطلاب إلى بعض.

ولا يخفى، أن المجتمع الصغير حيث أنه مندمج في المجتمع الكبير، يلزم أن يصلح المجتمع الكبير أيضاً، إذا أريد إصلاح المجتمع الصغير.

إصلاح المجتمع الكبير

3 ـ أما إصلاح المجتمع الكبير، فهو من أشكل الأمور. إذ يتدخل فيه الاقتصاد والسياسة والشؤون الاجتماعية، والعمران، والتربية، وغيرها، وهو بحاجة إلى جيش من المصلحين، ومن المثقفين، والمحنكين حتى يمكن إصلاحه فإن مثل محاربة تعاطي الخمور والمواد المخدرة، والانحراف والشذوذ الجنسي وفتح مدرسة، أو إخراج مجلة، أو ما أشبه، أمور جزئية، لا يمكن إصلاح المجتمع الكبير بها، وإنما إصلاحه بحاجة إلى تخطيط عام يشمل كل جوانبه وأول الإصلاح هو أن يكون القائمون به صالحين، وإلا (فاقد الشيء لا يعطيه).

دعائم إصلاح المجتمع

والتخطيط العام لإصلاح المجتمع يبنى على دعائم: أ ـ الإيمان. ب - واقتسام العلم والحكم والمال.

1 ـ الإيمان بالله:

أما الإيمان فلأنه الوحيد الذي يمكن به تعديل الصفات والملكات والعواطف والأعمال، وإلا فمهما كان السطح منظماً ومنضبطاً، أمكن الخروج منه، وحيث ليس كلامنا الآن في [الإيمان] ندع الأمر لموضعه.

2 ـ اقتسام القدرات:

ب ـ وأما الاقتسام فلأن من طبيعة الاستغناء [علماً أو مالاً أو حكماً] الطغيان ولا يأخذ أمام الطغيان، إلا الاقتسام [فإن في ذلك وقاية للاجتماع عن الانحراف والوقاية خير من العلاج].

فإن أحد الأمور الثلاثة، إذا لم يكن في متناول الجميع على حد سواء ـ باستثناء عدم قدرة بعض للاستيعاب من جهة عدم الكفاية فكرياً أو جسمياً ـ أوجب ذلك الحرمان، والحرمان ينتهي إلى الانحراف، ولذا يجب تحرير الثلاثة عن نير الرأسمالية والشيوعية ونحوهما، حتى يكون الميزان الكفاية والعمل فكل يقدر على أن يحصل المال بقدر الآخر ـ في صورة استوائهما كفاءة ـ وكل يقدر على أن يحصل على أعلى مراتب العلم [الجامعة وفوقها] وكل يقدر على أن يحصل على الحكم بعد وجود المؤهلات له، من الشرائط الشخصية [كالعلم والعدالة].

والشرائط الاجتماعية [كاختيار أكثرية الناس له] ـ هذا فيما فيه اختيار الناس ـ أما إذا كان الحكم من قبيل الوظائف، كان لابد وأن ينظر إلى الأفراد المتأهلين بنظرة واحدة، وإذا كثروا وتساووا، ولا احتياج إلى جميعهم كان الحكم [القرعة] فـ [ـالقرعة لكل أمر مشكل].

وبذلك يأمن الاجتماع عن الطبقية المنحرفة، والمحسوبية والمنسوبية، وعن تدخل غير الكفاية في الوصول إلى المال والعلم والحكم، وحينذاك تكون الأرضية الاجتماعية خصبة للنبات الصالح، فلا يوجد الانحراف [إلا ما كان خارجاً عن تحت قدرة البشر].

فإذا حصلت الموازنة الصحيحة بين المعنويات [الإيمان والعلم والحكم] والماديات [المال] لم يترد المجتمع في مساقط الانحراف، بخلاف ما إذا لم تحصل الموازنة كما إذا كان الإيمان عند من لا علم له، أو العلم عند من لا مال له، أو المال عند من لا إيمان له، أو ما أشبه ذلك، فإن المجتمع حينئذ يصبح محلاً خصباً للانحراف:

فلماذا الشاب الفلاني يقدر على دخول الجامعة، وأنا لا أقدر مع أن مستواه الفكري مثلي؟ فهل لأن والده يملك المال ولا يملك والدي؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ملك والده المال ولم يملكه والدي، مع أن الكفاءة فيهما متساوية أليس ذلك من ذنب الاجتماع الذي نظم القانون الاقتصادي بحيث يستحق الكفاءات، ويوجب الاختلاف في الطبقات بدون مبرر؟

ولماذا تمكن فلان من الوصول إلى مجلس الأمة، ولم أتمكن أنا؟ فهل لأن ذاك من حاشية الحاكم، ولست أنا من حاشيته؟ وهل ميزان الحكم الحاشية؟ أو أن الميزان الكفاءة وانتخاب الناس؟ وإذا كان الميزان الأول، فأي اجتماع هذا الذي ينظم القانون بحيث يحرم الكفؤ بدون أي سبب؟

ولماذا لا أتمكن أنا من كسب المال الكافي لشؤوني، مع أن عندي كفاءة وأنا مستعد للعمل؟ أليس ذلك لأجل أن الرأسمالي الفلاني، يتمكن من التلاعب بالأسواق فينزل البضاعة ليكسر باعة المفرد، حتى يوسع لنفسه المحلات لبيع المفرد التابعة له؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي اجتماع هذا الذي يسن مثل هذه القوانين حتى يحرم الإنسان عن لقمة العيش، بله التقدم؟

إلى غير ذلك من أسباب الطبقية المنحرفة في كل من العلم والمال والحكم مما يسبب أن يكون الاجتماع محلاً لولادة الانحراف.

القوانين الوضعية تصنع الانحراف

وقد أوغلت القوانين الوضعية في تهيئة مناخ الانحراف:

1 ـ فالقانون يطبق على العالم وغير العالم، والمضطر وغير المضطر، مع أن الإنسان يرى الظلم في القانون إذا رأى نفسه بريئاً ـ بعدم العلم وبالاضطرار ـ وذلك مناخ خصب لوجود الانحراف فإن المظلوم يهيء نفسه للانتقام، ويختمر في نفسه العداء، وذلك مما يسبب الانفجار أحياناً في غير المحل المناسب.

وأما الإسلام فقد رفع تسعة أشياء(36): (ما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والنسيان، والسهو، والطيرة، والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان، والوسوسة في التفكر في الخلق) لأن كل ذلك لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يؤخذ الإنسان به.

كما أن من خطأ القوانين الوضعية الموجبة لتهيئة مناخ الانحراف جعل المال بدل العقاب، وبدل الوظيفة، فالقاتل وكثير من المجرمين إذا أعطوا المال خلصوا من السجن أو الإعدام، أو ما أشبه، كما أن المكلف بالجندية الإجبارية إذا دفع المال سقط عنه التكليف بالخدمة، وهكذا في كثير من القوانين، ومثل ذلك من أخصب المناخ للانحراف.

إن الفقير ـ الذي لم يرجع فقره إلى تقصيره ـ إذا أجرم هو والغني، سجن الأول، وأطلق الثاني، أو قتل الأول وخفف عن الثاني، ولماذا؟ لأن الأول عثر به حظه فلم تتهيء الظروف، لأن يكون له مال وكذلك إذا أخذ الفقير جندياً مكلفاً وأطلق الغني بسبب عطائه المال: إلى غير ذلك من الأمثلة.

وكذلك الحال في إجرام ذي نفوذ وغيره، حيث أن شخصية الأول تحول دون عقابه أو عقابه الكثير، بينما غيره يتلوى لأمر لم يكن باختياره، حيث أنه لا شخصية له، لعدم كونه من عشيرة أو ما أشبه… فإن أمثال هذه الأمور [والأمر إنما في إطار القانون] توسع رقعة الانحراف، وربما جرفت الثورة بواضعي أمثال هذه القوانين.



1 ـ سورة الأنفال آية 60.

2 ـ نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ج/3 ص199.

3 ـ سورة الشورى آية 28.

4 ـ سورة البقرة آية 219.

5 ـ سورة النمل آية 14.

6 ـ صحيح البخاري: ج2 ص245 باب حق الجسم في الصوم.

7 ـ أصول الكافي ج/2 ص86.

8 ـ ثواب الأعمال ص458.

9 ـ بحار الأنوار ج/79 ص94.

10 ـ سورة الأحزاب آية 4.

11 ـ سورة الإسراء آية 84.

12 ـ ثواب الأعمال وعقابها ص597 ح رقم 1243.

13 ـ الوسائل: ج8 ص424 الباب 21 من أبواب أحكام الشعرة ح3.

14 ـ سورة طه آية 14.

15 ـ سورة الأعراف آية 56.

16 ـ الجعفريات ص128 والوسائل ج/18 ص576.

17 ـ سورة ص آية 44.

18 ـ سورة النساء آية 128.

19 ـ أنظر مستدرك الوسائل ج/3 ص197.

20 ـ سورة النساء آية 145.

21 ـ سورة المنافقون آية 63.

22 ـ سورة الأنفال آية 16.

23 ـ سورة التوبة آية 73.

24 ـ سورة هود آية 119.

25 ـ سورة النبأ آية 26.

26 ـ سورة الطور آية 16.

27 ـ سورة البقرة آية 83.

28 ـ سورة الأعراف آية 199.

29 ـ سورة فصلت آية 34.

30 ـ سورة التوبة آية 6.

31 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص459.

32 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص470.

33 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص478.

34 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص506.

35 ـ نهج البلاغة/ صالح/ ص197.

36 ـ تحف العقول ص41.

_______________
انت الزائر رقم لمواضيعي
اضغط هنا لرؤية المزيد من مواضيعي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://al-ashraq.yoo7.com
nadal-1
مشرف عام
مشرف عام
avatar

عدد المساهمات : 262
نقاط : 956
السٌّمعَة : 23
تاريخ التسجيل : 27/12/2010

مُساهمةموضوع: رد: الشخصية الانسانية   الجمعة يناير 14, 2011 5:14 pm

مشكوووووووووووووووووووووووور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الشخصية الانسانية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الاشراق  :: القسم الادبي :: البحوث والتقاربر-
انتقل الى: